أبي منصور الماتريدي
463
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
دليله قوله عزّ وجل : - وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 149 ] . ظهر بهذا : أنهم تابوا قبل أن يؤمروا بالقتل . وقد شرع على ألسن الرسل : قتال الكفرة حتى يسلموا ؛ فلا يجوز ذلك إن أسلموا ، فيحصل الإرسال للقتل خاصة ، لا للدين ، والله أعلم . ولأن القتل هو عقوبة الكفر ، لا عقوبة الإسلام ، وخاصة قتل استئصال ، على ما روى في الخبر : أن قتل سبعون ألفا في يوم واحد « 1 » . وذلك استئصال وإهلاك ، ولم يهلك الله قوما إلا في حال الكفر والعناد ؛ إذ الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه ؛ لأن من يقتل لكفره إذا أسلم سقط القتل عنه وزال ، وكذلك إذا أسلم وتاب ومات عليه ، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا . فعلى ذلك : يجب ألا يعاقب هؤلاء في الدنيا - بالقتل - بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله وطاعته . ويصرف الأمر بالقتل ، إلى إجهاد أنفسهم بالعبادة لله ، والطاعة له ، واحتمال الشدائد والمشقة ؛ لتفريطهم في عصيان ربهم ، باتخاذهم العجل إلها ، وبعبادتهم إياه دون الله . وذلك جار في الناس ، يقال : فلان يقتل نفسه في كذا ، لا يعنون حقيقة القتل « 2 » ، ولكن : إجهاده نفسه في ذلك ، وإتعابه إياها ، واحتمال الشدائد والمشقة فيه . فعلى ذلك ، يصرف الأمر بقتل أنفسهم إلى ما ذكر ، بالمعنى الذي وصفنا ، والله أعلم . ثم صرف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين : أحدهما : أن يجعل ذلك ابتداء محنة من الله - تعالى - لهم بالقتل ، لا عقوبة لما سبق من العصيان . ولله أن يمتحنهم - ابتداء - بقتل أنفسهم ؛ كقوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ الآية [ النساء : 66 ] على تأويل كثير من المتأولين في ذلك ؛ إذ له أن يميتهم بجميع أنواع الإماتة . فعلى ذلك : له أن يأمر بقتل أنفسهم ، وفيه إماتة ، مع ما فيه الاستسلام لعظيم ما دعوا إليه ، من بذل النفس لله ، مما في مثله جعل وفاء إبراهيم الأمر بالذبح ، وبذل ولده النفس
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس ( 937 ، 944 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 135 ) . ( 2 ) في أ : الأمر .